هل كان هناك جيشا سوريا عربيا وطنيا ممثلا لنسيج الشعب السورى حتى تتهم القيادة السورية الحالية بإسقاطه ؟
****************************************************************************************
في إطار كشف اللثام عن أخطر قضايا الخيانة الطائفية المعاصرة ، وضمن جهود كشف حملات تزييف الحقاق التاريخية والمعاصرة ، وإزالة اللغط الذى يثيره بعض المتصدرين من غير المحققين والمراقبين لمنصات إعلامية ، نحاول الإجابة على هذا السؤال .
ولكى يمكننا الجواب على هذا السؤال الهام ، ينبغي استقراء بعض المعلومات عن حقائق مشهد الأحداث السياسية والعسكرية على الساحة السورية في الآونة الأخيرة ، وبالتحديد خلال الستة عقود الماضية منذ تولى الجنرال الطائفى العلوى حافظ الأسد وزارة الدفاع عام 1966 ، واستيلائه على السلطة في عام 1970 م ، والذى عمل على تحويل الجيش العربى السورى الذى كان يمثل نسيج الشعب السورى ، وفى مقدمته الأغلبية السنية ، إلى جيش طائفى بامتياز !
وهذا التحول كان خصما من القوة الاستراتيجية لتأمين جبهات الوطن العربى وأطرافه المترامية ، وخلخلتها ، والمتمثلة في الجيوش الأربعة العراق ومصر والشام واليمن ، والتي تحول ثلاثتها ( سوريا والعراق واليمن ) قبل التغيرات الطارئة على الساحة السورىة ، إلى جيوش هي في غالبية تركيبتها قوات فيالقية ومليشياوية طائفية .
فماذا تقول المعلومات الموثقة لدى المحققين والمراقبين عن حقائق تحول الجيش السورى إلى جيش طائفى علوى ؟!!
===============================
مراحل تحول الجيش السورى إلى جيش طائفى علوى :
≠=================================
مرت عملية تحول الجيش السورى إلى جيش طائفى علوى عبر عدة مراحل ، وهى :
( أولا ) : فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946) :
----------------------------------------------
قام الفرنسيون بتجنيد أعداد كبيرة من الأقليات، وخاصة العلويين، في جيش الشرق، مما وضع الأسس الأولى لتركيبة عسكرية غير متوازنة طائفياً.
( ثانيا ) بداية عملية التحويل التدريجى للجيش السوري إلى جيش طائفي في عهد حزب البعث (1963-1970) :
------------------------------------------------------------------------------------------------------
بدأت عملية تحول الجيش السوري إلى جيش طائفي تحت سيطرة الطائفة العلوية بشكل تدريجي منذ ستينيات القرن الماضي، فعقب انقلاب 8 آذار (مارس) 1963، بدأ الضباط العلويون والبعثيون بالسيطرة على مفاصل الجيش ، بالسيطرة على اللجنة العسكرية ، والذى بدأ بإقصاء الضباط السنة وتفكيك كتلهم ، وتكرس ذلك بشكل كبير بعد انقلاب فبراير 1966 الذي قاده ضباط علويون.
( ثالثا ) تكريس عملية التحويل التدريجى للجيش السوري إلى جيش طائفي تحت سيطرة الطائفة العلوية بعد تولى حافظ الأسد وزارة الدفاع عام 1966 ، ثم زمام السلطة عام 1970:
------------------------------------------------------------------------
قيام اللجنة العسكرية كان حافظ الأسد عضواً بارزاً فيها بانقلاب طائفى 23 فبراير 1966 ، والتي أطاحت بالقيادة القومية لحزب البعث .
بعد نجاح الانقلاب، قام صلاح جديد (الذي أصبح الحاكم الفعلي للبلاد بصفته الأمين العام المساعد) بتعيين حافظ الأسد وزيراً للدفاع.
استغل الأسد منصبه كقائد لسلاح الطيران سابقاً ، ثم كوزير للدفاع لتوسيع نفوذه داخل المؤسسة العسكرية، وبدأ بترقية الموالين له وتعيينهم في مناصب حساسة تمهيداً لفرض سيطرته الكاملة.
منذ عام 1966، أصبح حافظ الأسد هو الرجل الثاني في البلاد بعد صلاح جديد، وظل في منصب وزير الدفاع حتى انقلب على صلاح جديد في "الحركة التصحيحية" عام 1970.
وتبدأ أكبر فصول مأساة الخيانة العظمى منذ تولى حافظ الأسد وزارة الدفاع ، والتي ترويها فصول قصة تنازل حافظ الأسد عن الجولان مقابل مبلغ مالي (تتراوح الروايات بين 70 إلى 100 مليون دولار) وتثبيت حكمه.
وتعود فصول المأساة في رواية تنازلات الخيانة العظمى بشكل رئيسي إلى شهادات لمقربين من الرئيس المصري الراحل أنور السادات، أبرزهم الدكتور محمود جامع، الذي نقل عن السادات أن حافظ الأسد (الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك) باع الجولان مقابل مبلغ مالي تم إيداعه في حسابات شخصية (شيك) باسمه وباسم أخيه رفعت الأسد في سويسرا .
" يستند رواة هذه المأساة في تأكيدهم على حدوثها فعلا ، إلى أن حافظ الأسد أصدر أمراً بإخلاء القوات السورية من الجولان، والأخطر هو إذاعة "بلاغ رقم 66 " عبر راديو دمشق بسقوط مدينة القنيطرة في 10 يونيو 1967 قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها فعلياً بـ 17 ساعة، مما تسبب في انهيار معنويات الجيش السوري وسهل السيطرة عليها.
والهدف كما تذكر الرواية أن الهدف كان تقديم "هدية " لإسرائيل لتضمن بقاء الأسد وزيراً للدفاع ، ثم حاكماً لسوريا، وهو ما تحقق فعلياً لاحقاً عبر انقلابه الطائفى "الحركة التصحيحية " عام 1970.
أ- حكم حافظ الأسد (1970-2000) :
---------------------------------
تكرست عملية تحول الجيش السوري إلى جيش طائفي تحت سيطرة الطائفة العلوية بشكل نهائي مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة في عام 1970، حيث تم تعزيز هذا التوجه بشكل مكثف خلال عهدي حافظ الأسد وابنه بشار الأسد، ليعمل كـ "مليشيا طائفية " للدفاع عن النظام، خاصة بعد انشقاقات واسعة النطاق في صفوفه عام 2011.
اعتمد حافظ الأسد بعد تسلمه السلطة، على " العصبية العلوية " لبناء أجهزة أمنية وفرق عسكرية (مثل سرايا الدفاع ، والحرس الجمهورى ) لحماية نظامه، وسيطر العلويون على مناصب القيادة الحساسة.
بعد عام 1970، عمل حافظ الأسد على إعادة هيكلة الجيش لضمان ولائه، حيث تولى ضباط علويون كافة المناصب القيادية الحساسة (الفرق، الألوية، الاستخبارات)، وتحديداً في الوحدات الرئاسية، في حين ظل السنة في مناصب إدارية أو كواجهة .
عززت أحداث حماة (1982) هذا التوجه، حيث تمت تصفية أي وجود سني داخل الجيش يتبنى توجهاً إسلامياً أو مستقلاً ، وتم استبعاد أو تهميش الكثير من الضباط السنّة من مفاصل القرار الأمني والعسكرى .
ب - عهد بشار الأسد وما بعد 2011:
-----------------------------------
تحولت احتجاجات الشعب السورى ذو الأغلبية السنية ضد آلة القمع الطائفى وتدميره الممنهج إلى صراع طائفي، وأدى انشقاق العديد من الضباط والجنود السنة إلى تحول الجيش فعلياً إلى "مليشيا علوية " تعتمد على ولاء الطائفة، وتلقت دعماً من ميليشيات طائفية أخرى .
فمع انشقاق آلاف الجنود والضباط السنة ، ورفض آخرين منهم إطلاق النار على جموع الشعب السنة المحتجة ، اعتمد النظام على المليشيات العلوية المحلية (الشبيحة) التي تحولت لاحقاً إلى "قوات الدفاع الوطني " ، والقوات الرديفة المدعومة من إيران ، لشن حرب صبغت بطابع طائفي علوي/شيعي ضد المناطق السنية.
رابعا : التدخل الإيراني والروسي (بعد 2012):
--------------------------------------------
فقد الجيش هيكليته التقليدية كجيش نظامي، وأصبح عبارة عن مجموعة من الفيالق والميليشيات (مثل قوات النمر، وسهيل الحسن) التي تدار بتمويل وإشراف أجنبي، وتعمل بعقيدة طائفية لحماية البنية السياسية للنظام.
النتيجة: بحلول احتجاجات الشعب ذو الأغلبية السنية ( 89 % ) وانتفاضته ضد الطغمة الطائفية العلوية الحاكمة ( أقل من 10 % ) ، انخفضت نسبة السنة في قيادات الجيش السوري بشكل حاد، وتولى العلويون أكثر من 80% من المناصب القيادية والأمنية، وتحولت "الجيش العربي السوري" في نظر كثير من السوريين إلى أداة طائفية قمعية لحماية نظام الأسد ، وبذلك قضى حافظ الأسد وابنه بشار على الجيش العربى السورى ، وأخرجه من معادلة الردع العربى ، والذى كان يعد أحد مرتكزات الأمن القومى العربى ، وأحد أهم محاوره الاستراتيحية .
وفوق ذلك قتل حوالى ثمانمائة ألف مواطن سورى ، إضاة إلى ما يزيد عن مائة وعشرة آلاف مختفى قسريا ، ومائتى ألف المقتولين نتيجة الاعتقال والإعدامات الميدانية ، ونزوح ما يزيد عن خمسة ملايين داخل سوريا ، وتشريد وتهجير ولجوء حوالى ستة ملايين خارج سوريا !!
ضف ألى ذلك ما أحدثته آلة القمع الطائفى الوحشي من دمار لللنية التحتية من مدارس ومستشفيات وشبمات المياة والطاقة والصرف الصحى وعمارات سكنية فوق رؤوس ساكنيها من أهلنا من الشعب السورى فى دمشق عاصمة البلاد وريفها ، وغيرها من من المدن كحماة ، ثم حلب دمر فيها ٣٦ الف مبنى ، والغوطة الشرقية دمر فيها ٣٥ الف مبنى ، درعا دمرت ٣٣٤٠٠ منزل ، وتحويل ١٦ مدينة إلى أنقاض ، وتهجير أهلها بالملايين !
بداية الانشقاقات في الجيش السورى عام 2011 :
------------------------------------------------
بدأت الانشقاقات بشكل فردي في البداية، ثم تحولت إلى مجموعات، نتيجة رفض الجنود والضباط (معظمهم من السنة) قتل المحتجين السلميين .
تشير التقديرات إلى انشقاق قرابة 10 آلاف عنصر وصف ضابط، بينما تجاوز عدد الضباط المنشقين 4 آلاف ضابط، بينهم عمداء وألوية.
من هذه المجموعات : لواء الضباط الأحرار: في منتصف تموز 2011، حيث شكّل المقدم حسين الهرموش "لواء الضباط الأحرار" لاحتواء المنشقين .
الجيش السوري الحر : أعلن العقيد رياض الأسعد في 29 تموز 2011 عن تشكيل " الجيش السوري الحر" ليكون جناحاً عسكرياً للثورة، مستقطباً آلاف الجنود والضباط.
بعد نجاح هيئة تحرير الشام بمشاركة بعض الفصائل السورية في الإطاحة بنظام بشار الأسد الطائفى :
------------------------------------------------------------------------------------------
قامت هيئة تحرير الشام بمشاركة فصائل معارضة مسلحة أخرى بالعملية العسكرية التي أدت إلى إسقاط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ضمن ما عُرف بعملية "ردع العدوان ". بينما قادت الهيئة الهجوم كقوة ضاربة رئيسية، انضوت تحت غرفة عمليات مشتركة مع فصائل من المعارضة السورية، بدعم أساسي من الجيش الوطني السوري !
وفي ظل انهيار مؤسسات الدولة السورية وسقوط نظام الأسد ، وتخلى قادة القوات في الفيالق والمليشيات الطائفية المعومة من إيران عن مواقعهم على الحدود وفى القلب السورى ، وقامت إسرائيل باستغلال هذا الفراغ الدفاعى الحدودى والأمنى الداخلى الناجمين عن انهيار المؤسسات وتخلى القيادات العسكرية الطائفية عن مواقعها في حماية سوريا، فقامت بعملياتها العسكرية بهدف القضاء على التهديدات العسكرية المحتملة نتيجة التغيير وتحول ميزان القوة فى الداخل السورى لصاح أغلبية الشعب السنية على الساحتين السياسية والعسكرية في سوريا .
أعلنت إسرائيل في ديسمبر 2024 عن تدمير نحو 70% إلى 80% من القدرات العسكرية للجيش السوري، بما في ذلك سلاح الجو والبحرية ومنظومات الدفاع الجوي، عبر ضربات جوية وبحرية مكثفة استهدفت أكثر من 320 "هدفاً استراتيجياً" في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، مستغلة حالة الفراغ الأمني لإنشاء منطقة عازلة.
أبرز ما قامت به إسرائيلي من العمليات العسكرية في عدوانها الإجرامى على سوريا :
- تدمير الأسطول البحري: نفذت البحرية الإسرائيلية عملية واسعة دمرت خلالها أسطول الجيش السوري في ميناءي اللاذقية والبيضا، بما في ذلك سفن صواريخ.
- استهداف القواعد الجوية: قصفت إسرائيل قواعد جوية كاملة ودمرت طائرات مقاتلة من طراز (ميج وسوخوي).
- استهداف الدفاعات الجوية : تم تدمير عشرات البطاريات المتطورة للدفاع الجوي.
- التوغل البري ("سهم باشان"): توغلت قوات إسرائيلية داخل المنطقة العازلة في القنيطرة وجبل الشيخ بذريعة تأمين الحدود.
- استهداف مراكز القيادة: تم تدمير مقرات عسكرية وثكنات في عموم البلاد.
فهل يجوز لأحد القول بإخلاء مسئولية النظام الطائفى السورى وفيالقه ومليشياته العسكرية الطائفية ، والتي لم تطلق رصاصة واحدة نحو الكيان وأعلنت سقوط الجولان قبل أن تطأها أقدام الاختلال واستباحة شعبها بالاسلخة الكيماوية والبراميل المتفجرة والمكابس البشرية فى السحون والمعتقلات كسجن صيدنايا ، من إعطاء الفرصة للكيان المحتل لتدمير معدات ومواقع الفيالق والمليشيات والفرق الطائفية الناجم عن انهيار المؤسسات ، وعن تخلى القيادات العسكرية الطائفية عن مواقعها في حماية حدود سوريا نتيجة فقدانهم لزمام السلطة في البلاد ، ونسبة ذلك التدمير إلى القيادة السورة الجديدة المنتمية إلى أغلبية الشعب السورى السنى الذى قارب قتلاه المليون ، ومشروده ولاجئوه ومهجروه العشرة ملايين ؟!!!!!!!!!!!